/ الفَائِدَةُ : (11) /
17/10/2025
بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على محمد واله الطاهرين ، واللَّعنة الدَّائمة على أَعدائهم اجمعين. / أَسرار معرفيَّة خطيرة في آية تبليغ ولاية أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ / إِنَّ ما ورد في بيان قوله تعالىٰ ـ الوارد في قضيَّة تبليغ ولاية أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في واقعة الغدير ـ : [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا] (1) برهانٌ وحيانيٌّ وميزانٌ عقليٌّ عظيمٌ دالٌّ علىٰ أَسْرَارٍ وحيانيَّةٍ وعقليَّةٍ عجيبةٍ وخطيرةٍ جِدّاً، منها: / شمول ولاية أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لجملة العوالم وجميع المخلوقات غير المتناهية / أَوَّلاً: أَنَّه بعدما كان وارداً في تبليغ ولاية أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لم يُعَبِّر بدل عنوان (دينكم) ـ الوارد في بيانه (عَزَّ وَجَلَّ) : [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ] ـ بـ : عنوان : (شریعتكم) أَو (منهاجكم) أَو (ملَّتكم) أَو (طريقتكم) ؛ ذلك لأَنَّ ولاية أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لیست من فروع الدِّين ، بل من أُسس الدِّين وأُصوله، وهو شامل لكافَّة العوالم ولجميع المخلوقات غير المتناهية ؛ فتكون ـ ولاية أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وإِمامتهم ـ شاملة أَيضاً لجملة العوالم ومُطلق المخلوقات غير المتناهية . وهذا نصٌّ قرآنيٌّ دالٌّ علىٰ ذلك ، ويُوضِّح كثير من طوائف بيانات الوحي ، منها : ما دَلَّ علىٰ أَنَّ جميع الأَنبياء والرُّسل عَلَيْهِم السَّلاَمُ بُعِثُوا بولاية أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ . فلاحظ : 1ـ بيان سَيِّد الْأَنْبِيَاء مُخاطباً أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ( صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِما وعلىٰ آلهما) : « يا عَلِيّ ، مَا بَعَثَ الله نبيّاً إِلَّا وقد دعاه إِلى ولايتكَ طائعاً أَو كارهاً » (2). 2ـ بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً : «ما تكاملت النُّبُوَّة لنَبيٍّ في الأَظلَّة حتَّى عُرضت عليه ولايتي وولاية أَهل بيتي ، ومُثِّلوا له ؛ فَأَقرُّ بطاعتهم وولايتهم »(3). 3ـ بيانه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ أَيضاً ، الوارد في حديث المعراج : « ... وجمع الله إِلَيَّ النَّبِيِّين فصفَّهم جبرئيل عَلَيْهِ السَّلاَمُ ورائي صفّاً فصلَّيتُ بهم ، فلَمَّا سلَّمتُ أَتاني آتٍ من عند ربِّي فقال لي : يا مُحمَّد ، رَبّكَ يقرئك السَّلام ويقول لَكَ : سل الرُّسل علىٰ ماذا أُرسلتم من قبلكَ؟ فقلتُ : معاشر الرُّسل علىٰ ماذا بَعَثَكُم ربِّي قَبْلِي؟ فقالت الرُّسُل: علىٰ ولايتكَ وولاية عَلِيّ بن أَبي طالب، وهو قوله تعالىٰ: [وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا] (4)» (5). ودلالة الجميع واضحة. / الفارق بين عنوان (الإِكْمَال) و(الإِتْمَام) / ثانياً : أَنَّ هذا البيان القرآني الشَّريف أَسند الإِكْمَال للدِّين والإِتمام للنِّعْمَة ولم يعكس أَو يُوحِّد بينهما كأَنْ يقول : « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَكْمَلْتُ لَكُمْ نِعْمَتِي »، أَو يقول: « اليوم أَتممتُ لكم دينكم وَأَتممتُ عليكم نِعْمَتي » ، ذلك أَنَّ هذا المبحث مرتبط بمبحث الاِنقسام الجوهري والعرضي في عَالَم الأَجسام ، ومن ثَمَّ هناك فارق بين عنوان (الإِكْمَال) وعنوان (الإِتْـمَام) ، حاصله : / المراد من عنوان : (الإِكْمَال) / إِنَّ عنوان (الإِكْمَال) يُطلق ويُراد منه الِارتباط الجوهري بين جوهرين ؛ فيخرج الشيء ـ ببركة هذا الِارتباط ـ من طَوْرٍ وحقيقةٍ إِلى طَوْرٍ وحقيقةٍ أُخرىٰ . وخذ علىٰ ذلك المثالين التَّاليين : الأَوَّل : قابليَّة الجواهر والأَجسام ـ كالتُّراب والبذور والنَّبات ـ للتكامل ؛ وازدياد جوهريَّتها وخروجها من طَوْرٍ لآخرٍ ؛ فللتُّراب ـ مثلاً ـ القابليَّة للإِنْبَات ويصير نباتاً مستقبلاً ، وحينها يخرج من طَوْرٍ وجسمٍ إِلى آخر ، وكذا البذرة ؛ فإِنَّ لديها القابليَّة لتكون نباتاً وتخرج من طَوْرٍ وجسمٍ إِلى آخر ، وهكذا النَّبتة ، فلديها القابليَّة لتصير حيواناً وتخرج من طَوْرٍ وجسمٍ إِلى آخر . وهلمَّ جرّاً. وهذه القابليَّة للأَجسام ، والقوَّة والمادَّة المُوْدَعة فيها ليست قابليَّة وقوَّة ومادَّة عرضيَّة ، بل قابليَّة وقوَّة ومادَّة جوهريَّة ـ ، بل وليست قوَّة ومادَّة أُولىٰ ـ ؛ لكون هذه القابليَّة في الأَجسام تحمل قوَّة ، والقوَّة جوهر ، وكذا الطَّور ؛ فإنَّه جوهر أَيضاً . إِذن : هناك صورتان وجوهران : أَحدهما : صُوْرَة وجوهر بالفعل ، وهو الصُّوْرَة الفعليَّة الجوهريَّة للتراب والبذرة والنَّبَات ـ بحسب المثال ـ . الآخر: قوَّة الصُّوْرَة المُستقبليَّة والتَّقديريَّة المخبوَّة والمطويَّة في جواهر الأَشياء لتكون مستقبلاً صُوراً وَأَشياءً أُخرىٰ ؛ كـ : التُّراب ـ بحسب المثال ـ ؛ فإِنَّ له القابليَّة لأَن يصير مُستقبلاً نَبَاتاً. والدَّليل علىٰ وجود هذه القوَّة والقابليَّة واضح ؛ فإِنَّه لو لم تكن في الجسم قوَّة وقابليَّة وإِمكانيَّة تَحَوُّل وتَبَدُّل وتغيُّر وتطوُّر الصُّوْر الجوهريَّة كيف وقع التَّحَوُّل والتَّبَدُّل والتَّغَيُّر والتَّطوُّر. المثال الثَّاني : بداية خلقة بدن الإِنسان في هذه النَّشأة الأَرضيَّة ؛ فإِنَّه يَمُرُّ بأَطْوَارٍ تُخرجه من طَوْرٍ وشيءٍ وجسمٍ إِلى طَوْرٍ وشيءٍ وجسمٍ آخر، فيتحوَّل من طَوْر النُّطْفَة إِلى طَوْرِ العَلَقَة ، ثُمَّ إِلى طَوْرِ المُضْغَة ، ثُمَّ إِلى طَوْرِ العظام ، ثُمَّ إِلى طَوْرِ إِكساء العظام لحماً ، ثُمَّ إِلى طَوْر أَنشأناه خلقاً آخر . وعليه : فيكون الِانقسام في هذا النحو اِنقساماً جوهريّاً . مثاله : اِنْفِصَال الرُّوح عن الجسد، فإِنَّ الرُّوح بمنزلة الصُّوْرَة الجوهريَّة ، والجسم بمنزلة المادَّة الجوهريَّة ، وبِانْفِصَال الرُّوح عن الجسد يحصل اِنقساماً جوهريّاً ، ليصبح الجسم جُثَّة هامدة ، وحقيقة أُخرىٰ غير حقيقة حُلُوْل الرُّوح فيه. / المراد من عنوان : (الإِتْـمَام) / وهذا بخلاف عنوان (الإِتْـمَام) ؛ فإِنَّه يُطلق ويُراد منه نوع من الِارتباط العرضي بين جوهرين . مثاله : رَصّ وتَصْفِيْف اللَّبِنَات والأَحْجَار وضَمّ بعضها إِلى الآخر لبناء جدارٍ ـ مثلاً ـ أَو مسجدٍ ؛ فإِنَّه لا يحصل ـ ببركة هذا الاِنْضِمَام ـ تغيير جوهري في حقائق هذه اللَّبنَات والأَحْجَار، ومن ثَمَّ يكون الِانْقِسَام في هذا النحو ـ كالِانْقِسَام بين اللَّبِنَات والأَحْجَار بحسب المثال ـ اِنْقِسَاماً عرضيّاً . / زُبْدَة المَخْض / ومن كُلِّ ما تقدَّم يتَّضح ـ : أَنَّ من لا يُوالي أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وسائر أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ، الَّذين دُعِيَ يوم الغدير إِلى ولايتهم ـ فمع أَنَّه قد يكون وَاْلَىٰ الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ، واخذ واِعْتَقَدَ بسائر أَركان الدِّين وأُصوله ، وعَمِلَ بفروعه وأَحْكَامه ـ لا يكون قد حاز جملة من الدِّين وتَرَكَ الآخر، وإِنَّما تَرَكَ جملة الدِّين ، وصارت تلك المُوَالَاة وذلك الِاعْتِقَاد والعمل شيئاً آخر؛ وإِلْحَاداً وشِرْكاً وكُفْراً بالدِّين ؛ لأَنَّه لا تبعیض في الدِّين بعدما أُخذ بشرط المجموع . وهذا ما يُشير إِليه بيان قوله تعالىٰ ـ المُتقدِّم ـ : [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ]. بل وتُشير إِليه بيانات الوحي الأُخرىٰ ، منها : بيان قوله تقدَّس ذكره : [قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ] (6) ؛ فإِنَّ حقيقة الإِيمان بالله ورسوله وأَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ـ أَي : واقع الإِسلام ـ مع ظاهر الإِسلام ليس من باب الإِتْـمَام ـ أَي : ضم جزء لآخر ـ ، بل من باب الإِكْمَال ـ أَي : خروج الشيء من طَوْرٍ لآخر ـ ؛ ومن ثَمَّ يكون هناك فارقٌ جوهريٌّ بين المؤمن بإِيمانٍ واقعيٍّ والمسلم بالإِسلام الظَّاهري . ويتَّضح أَيضاً : أَوَّلاً : أَنَّ ولاية أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَـمَّا كانت أَمراً رُكْنِيّاً في الدِّين فمع تركها لا يخرج الدِّين ـ من دونها ـ من طَوْرٍ لآخر، ولن ينمو إِلى طَوْرٍ جوهريٍّ كامل . ثانياً : حال مُنْتَحِل التَّشيُّع ومحبَّة أَهْل الْبَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ومولاتهم ـ والَّذي لا يُظْهِر ما في قلبه ، فلا يُسَلِّم قلبه لِـمَا يُظْهِره ، والمُسمَّىٰ في كثير من بيانات الروايات بـ : (مُنْتَحِل الإِيمان) ـ ، فكما أَنَّه لا يصحّ اِغترار المسلم بالشَّهادتين وَحَسْبُ لا يصحّ أَيضاً الِاغترار بالشَّهادات الثلاث لساناً وما يبطنه شيء آخر . ثالثاً : أَنَّ مَنْ يأخُذ ببابٍ من أَبواب الدِّين وفروعه وأَحْكَامه ؛ ويعمل بها سيجني نعمة الدِّين وثماره في عَالَم الدُّنيا وهذه النَّشْأة الأَرضيَّة ، وهذه القضيَّة لا اِرتباط لها بإِيمان المخلوق ، فَسَوَاءٌ أَكان المخلوقُ مؤمناً أَم كافراً فإِنَّه بمُجرَّد أَخذه ببابٍ من أَبواب الدِّين أَو بِحُكْمٍ من أَحكامه سيجني نعمة الدِّين وثماره الدنيويَّة في ذلك الباب أَو الحكم وإِنْ كان الشَّخص كافراً ؛ فلو طبَّق أَحکام باب من أَبواب الدِّين أَو الشَّريعة ؛ كما لو امتنع عن المعاملة الربويَّة أَو وَصَلَ رَحِمَهُ وما شاكلهما فسيجني لا محالة آثارهما الدُّنيويَّة ، وعلىٰ عكسه من لا يعمل بذلك ؛ فإِنَّه لا ينال نِعَمها وثمارها الدُّنيويَّة وإِنْ كان مؤمناً . إِذَنْ : بيان الآية الكريمة في صدد التَّمييز بين الدِّين ونِعَمه وآثاره وثماره الدُّنيويَّة ؛ وأَنَّها لا ترتبط بإِيمان العامِل بها . وهذا ما أَشار إِليه بيان قوله تعالىٰ ـ المُتقدِّم ـ : [وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي] . ونِعَمه وآثاره وثماره الأُخرويَّة وخروجه من طَوْرٍ لآخر ؛ فإِنَّها ترتبط بإِيمان العامل بها . وهذا ما أَشار إِليه بيان قوله تعالىٰ ـ المُتقدِّم ـ بقوله : [الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ]. وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1)المائدة: 3 . (2) بحار الأَنوار، 26: 280/ح25. بصائر الدرجات: 21. (3) بحار الأَنوار، 26: 281/ح27.بصائر الدرجات: 51. (4) الزخرف: 45 . (5) بحار الأَنوار، 26: 307/ح69. إيضاح دفائن النَّواصب: 49. (6) الحجرات: 14